الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

300

تفسير كتاب الله العزيز

بالماء ، فينبت عليه الزرع والمرعى ، فينتفع به . وينتفع بذلك الحليّ والمتاع الخالص من الصفر والحديد والرصاص . فهذا عمل المؤمن يبقى ثوابه في الآخرة . قوله : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 ) . ثمّ فسر تلك الأمثال فقال : لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ : أي آمنوا بربّهم الْحُسْنى : أي الجنّة . وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ : أي الكفّار لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ . ذكروا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( ( يقال للكافر يوم القيامة : لو أنّ لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به ؟ فيقول : نعم . فيقال له : كذبت . قد سئلت ما هو أهون من ذلك ) ) « 1 » . قال : أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ : أي لافتدوا به من سوء الحساب ؛ يؤخذون بسيّئاتهم ، وتحبط حسناتهم ؛ أي : قد استوفوها في الدنيا ، فلهم سوء الحساب في الآخرة . وسوء الحساب : شدّته . وحسابهم : أن يصيروا إلى النار . وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ : أي ومنزلهم جهنّم وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 18 ) : أي وبئس الفراش . والمهاد والفراش والقرار واحد ، مثل قوله : جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [ البقرة : 22 ] ومهادا وبساطا وقرارا . قوله : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ : أي القرآن الحقّ ، كَمَنْ هُوَ أَعْمى : أي عنه . يعني به الكافر ، وهو على الاستفهام . يقول : فهل يستوي هذا المؤمن وهذا الكافر ؟ أي : إنّهما لا يستويان . إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) : أي أولو العقول ، وهم المؤمنون . الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ( 20 ) : أي الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم حيث قال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] . يقول : أوفوا بذلك الميثاق ، يعني المؤمنين الذين آمنوا بمحمّد عليه السّلام .

--> ( 1 ) حديث متّفق عليه ، أخرجه البخاريّ في كتاب الرقاق ، باب من نوقش الحساب عذّب ، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا ( رقم 2805 ) كلاهما يرويه من حديث أنس بن مالك .